أبي هلال العسكري
29
تصحيح الوجوه والنظائر
والجعل هاهنا بمعنى القضاء ، أي : قاض لك بالتقدم على الناس بالنبوة ليقتدوا بك ، : قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [ سورة البقرة آية 124 ] ، يجوز أن يكون سؤالا : أن يجعل من ذريته أنبياء ، ويجوز أن يكون استخبارا ، فقال : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [ سورة البقرة آية 124 ] ، أي : ينال عهدي المؤمنين من ذريتك دون الظالمين لأنفسهم . والعهد هاهنا : النبوة والوحي ، وقيل : الرحمة ، وقيل : الوعد ، والأول الوجه . ومثله : وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً [ سورة الفرقان آية 74 ] ، أي : الطف بنا حتى نصير من التقوى والصلاح بحيث يقتدي بنا المتقون . ويجوز أن يكون المعنى : حتى نكون يوم القيامة من أئمة المتقين نتقدمهم في المضي إلى الجنة ويتبعوننا . وقال : إماما ، وأراد أئمة ، سماهم بالمصدر . أم يؤم إماما وإمامة ، كما تقول : جل جلالا وجلالة ، ومثله : الكتاب والكتابة ، وقيل : معناه : اجعلنا للمتقين بالائتمام بهم ، أي : اجعلنا أتباعا لهم . ونحوه قوله تعالى : وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً * [ سورة هود آية 17 ، الأحقاف 12 ] ، يعني : التوراة يقتدى بها . الثاني : الكتاب ، قال اللّه تعالى : يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ [ سورة الإسراء آية 72 ] ، أي : بكتابهم الذي فيه أعمالهم . وقيل : بداعيهم الذي دعاهم إلى الهدى أو الضلالة . وقيل : بدينهم . الثالث : قوله تعالى : وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ [ سورة يس آية 12 ] ، يعني : اللوح المحفوظ ، والشاهد قوله : وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ [ سورة يس آية 12 ] ، أي : نكتب ما سلف من أعمالهم ، وما أثروه في الدنيا من سنن الخير أو الشر ، ثم قال : وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ أي : وكتبنا كل شيء في اللوح المحفوظ ؛ لتعتبر الملائكة بما يكون من ذلك لأوقاته ، لا لمخافة النسيان ؛ لأن النسيان لا يجوز على اللّه .